قيامة الرب يسوع باكورة قيامتنا
بقلم: الخورأسقف بولص منكنا
مقدمة
يُعتبر حدث قيامة الرب من بين الأموات من الحقائق الإيمانية الثابتة، التي عليها أُسِّس الإيمان المسيحي، كما ويُعد أحد أهم ركائزها الأولى التي منها وعليها بدأ التبشير بهذا الحدث بين أوساط التلاميذ الأولين، والذين أصبحوا شاهدي عيان ومؤمنين أبكار بهذه الحقيقة الإيمانية، التي غيّرت مجرى العالم أجمع وأحدثتْ انقلاباً كونياً واسعاً. إذ أعطى معناً فريداً وجديداً في عين الوقت للحياة الإنسانية، لا بل فَتَحَ آفاقاً جديدةً لحياةٍ أخرى لَمْ تَكُن بالحِسبان قبلها في البشرية على الإطلاق.
هذا ما يُؤكده حقاً ويُعلِّمه ويوعِد به الرب يسوع، المعلم الإلهي، المؤمنين ببشرى رسالته الخلاصية المكتوبة والمـُعلنة مِراراً مِن قِبل الإنجيليين الأربعة.
يَتكرَّر ذلك الوعد في تعليم الرب يسوع، بالأخص في الإنجيل الرابع مِراراً، حين يتكلم كاتب الإنجيل، ألا وهو يوحنا، التلميذ الأصغر والحبيب للرب يسوع. يتحدّث يوحنا كثيراً عن الحياة عموماً، وعن الحياة الأبدية خصوصاً. يختصر كاتب الإنجيل الرابع، في نهاية روايته وبكلمات وجيزة غاية الهدف من كتابة إنجيله، الإيمان بالرب يسوع، بالنتيجة نيل الحياة الأبدية (يو ٢٠: ٣٠-٣١). يُؤكد لنا حقيقة إيمانية ثابتة بأنه قد اختار في كتابة وذكر عدد من الآيات (الأعاجيب)، عُني بأن يستخلِص معناها وفحواها ليحمل المسيحيين، الذين يُوجِّه إليهم الكلام، إلى التعمق في ايمانهم بيسوع مسيحاً وابناً لله فينموا حياتهم باتحادهم بالله[1].
يتكلم الإنجيل الرابع، عامةً عن الحياة، لكن عن الحياة الأبدية خاصةً. هذه الأخيرة، كوعد مستقبلي من الرب يسوع، للذين يؤمنون برسالته ويُصبحون له تلاميذاً: "لِتؤمنوا بأن يسوع المسيح ابن الله ولتكون لكم إذا آمنتم الحياة باسمه (را. يو ٢٠: ٣٠-٣١).
يُركِّز يوحنا الإنجيلي جَلَّ تفكيره اللاهوتي على شخص ورسالة يسوع المسيح الخلاصية. فكل الذين يؤمنون به يصلوا إلى الحياة الأبدية، إن آمنوا واتحدوا به[2].
إن قمنا بتصفح رواية يوحنا بإمعان، نراه منذ الكلمات الاستهلالية في مقدمة انجيله، يُركّز على الحياة: "فيه كانت الحياة" (يو ١: ٤)، والحياة بالنسبة للكاتب تكتمل وتتحقق في ملاقاة الله. وفي كُلِّ مَرّةٍ يأتي ذكر "ملكوت الله" في هذا الإنجيل، تكون ضمنياً مرتبطةً بالحياة الأبدية. فعلى سبيل المثال، عندما يتكلم الرب يسوع مع نيقوديموس، يأتي بذكر "ملكوت الله": "فأجابه يسوع: "الحق الحق أقول لك: "ما مِنْ أحَدٍ يُمكِنه أن يرى ملكوت الله إلا إذا وُلِدَ مِنْ عَلُ" (يو ٣: ٣. ٥). في هذا الحديث، يؤكد الإنجيل الرابع مرة أخرى بأن الذي يؤمن بالرب يسوع تكون له الحياة الأبدية: "لتكون به الحياة الأبدية لكُلِّ مَنْ يُؤمن (يو ٣: ١٥. ١٦. ٣٦).
في الحديث مع السامرية يأتي ذكر الحياة الأبدية، ولكن هنا يتحدث يسوع عن الماء الحي الذي يقود الى الحياة الأبدية (يو ٤: ١٠. ١٤).
في آية (مُعجزة) شفاء المُقعد في الفصل الخامس، في الحوار الطويل مع اليهود يتكرر ذِكر الحياة الأبدية لأربع مرات: "الحق الحق اقولُ لكُم: مَنْ يَسمَع كلامي وآمن بِمَنْ أرسلني فله الحياة الأبدية (يو ٥: ٢٤. ٢٦. ٢٨. ٣٩).
يأتي أيضاً ذكر مصطلح "الحياة الأبدية"، في حديث يسوع مع الجمع عن خبز الحياة (يو ٦: ٢٧)، الذي يربطه هنا في هذا السياق مباشرة بنفسه، الذي يُشكّلُ لَقَبٌ آخر ليسوع كخبزُ الحياة، أي طعام الحياة الأبدية، الذي فيما بعد يُقدّم نفسه بلقبٍ جديد، أي "خبزُ السمّاء الحق" (يو ٦: ٣١. ٤٠. ٤٧-٥٨)، والذي نزل من السماء، معطياً للعالم الحياة (يو ٦: ٣٣).
في سياقٍ آخر، يُؤكد الرب يسوع في خطابه عن "خبز الحياة، الذي هو جسده، أن الذي يُؤمن به سيُقيمه في اليومِ الأخير، أي مَنْ آمَنَ به ورآه ستكون له الحياة الأبدية (٦: ٤٠)، ونيل الحياة الأبدية حسب تعليم المعلم الإلهي، مُتوقّفٌ على تناول هذا الخبز، كما تُثبت ذلك الكلمات ذات المعنى الجوهري للتلميذ المؤمن بالرب يسوع: "مَنْ أَكَلَ جَسَدي وَشَرِبَ دَمي فَلَه الحياة الأبدية وأنا أُقيمه في اليوم الأخير" (يو ٦: ٥٤).
في حديث يسوع عن موضوع "الراعي الصالِح"، الذي هو أيضاً لقبٌ مسيحاني آخر من ألقاب يسوع المسيح، يأتي مرة أخرى الحديث عن الحياة الأبدية، وإن بطريقة ضمنية غير مباشرة، إذ يُؤكّد يسوع أنّ مجيئه الى العالم كان لتفيض الحياة فيه: "أمّا أنا فَقَد أتيتُ لتكون الحياة للناس وتفيض فيهم (يو ١٠: ١٠). يواصل الرب يسوع هذا الحديث في هذ التعليم الرباني مُثَبّتاً بأنّه أتى ليُعطي الحياة الأبدية لِكُلِّ مَنْ يُؤمِن به وَبِمَنْ أرسلَه: "إنّ خِرافي تُصغي الى صَوتي وأنا أَعْرِفها وهي تَتْبَعُني، وأنا أهَبُ لها الحياة الأبدية..." (يو ١٠: ٢٨).
في قِصة إحياء لعازر، أخ مرتا ومريم، يأتي ذِكرُ الحديث عن الحياة الأبدية، التي تكون لِكُلّ مَنْ يُؤمِن بالرب يسوع: "فقالَ لها يسوع: "أنا القيامة والحياة مَنْ آَمَنَ بي، وإن ماتَ فَسَيحيا. وَكُلُّ مَنْ يحيا ويُؤمِن بِيّ لَنْ يموتَ للأبد" (يو ١١: ٢٥-٢٦).
في الفصل الثاني عَشَر من إنجيل يوحنا، يُخبر يسوع تلاميذه عن موته وقيامته، يأتي ذكر جماعة اليهود اليونانيين، الذين صَعِدوا إلى أورشليم للعبادة. طلبوا من التلميذ فيلبس أن يروا يسوع. في هذا السياق، يُؤكّد المسيح يسوع على الوعد بالحياة الأبدية، بعدما يُؤمن الشخص: "مَنْ أَحَبَّ حياتِه فَقَدَها، وَمَنْ رَغِبَ عَنها في هذا العالم حَفِضَها للحياة الأبدية (يو ١٢: ٢٥. ٥٠).
الفصل السابع عشر من إنجيل يوحنا، مُخصّصٌ لموضوع جديد، أي صلاة يسوع الكهنوتية، على الرغم من هذا الخطاب الطويل، يأتي الحديث أيضاً عن وعد الرب سوع بالحياة الأبدية، للذين وَهَبَهُم الآب له، والذين يُؤمنون بِمَنْ أرْسَلَه: "يا أبتِ، قَد أتَتِ الساعةُ: مَجِّد ابنك لِيُمجِّدك ابنك، بما أوليته مِنْ سُلطانٍ على جَميع البشر لِيَهَبَ لهم الحياة الأبدية لِجَميع الذين وَهَبتَهم له" (يو ١٧: ١-٣). يُوَضّحُ هنا المعلم الإلهي للمؤمنين به، بأن الحياة الأبدية تكون بمعرفة الآب والإيمان بِمَنْ أرسَلَه.
في العبارات الختامية لهذه الصلاة، يطلب الرب يسوع من الآب أن يكون معه الذين آمَنوا وَوُهِبوا من قِبَلِ الآب له: "يا أبَتِ، إنَّ الذين وَهَبْتَهُم لي أُريدُ أن يكونوا مَعي حيثُ أكون" (يو ١٧: ٢٤). هذا ما يُثبتُ بأن الرب يسوع سيُقيم المُؤمنين به وسيجعلهم معه في المجد الأبدي، أي أنّه سيهب لهم الحياة الأبدية.
في العبارات النهائية مِن إنجيل يوحنا، يُؤكد الكاتب، بأن كُل ما كُتِبَ في روايته غرضه كان الوصول الى الإيمان بالرب يسوع، والذين يُؤمنون به ستكون لهم الحياة الأبدية: "إنما كُتِبَتْ هَذه لِتُؤمنوا بأن يسوع هو المسيح ابنُ الله، وَلِتكون إذا آمنتم الحياة باسمه" (يو ٢٠: ٣١).
يُؤكد معلّق على تلك العبا رات الختامية للإنجيل، بأن الحديث هو حول الحياة الأبدية: "يدور الإيمان في جوهره حَولَ يسوع، المُعْترِف به في منزلته ابن الله في رسالته لأنّه المسيح، وهو يَهَبُ للذين يُؤمنون حقاً الحياة الأبدية بالاتحاد به"[3].
قيامة الرب من بين الأموات إذاً، هي الحدث الأساس في إيماننا المسيحي، التي مهّدتْ الطريق وفتحتْ آفاقاً جديدة أمام قيامتنا المزمعة للدخول إلى حياةٍ أبدية، الموعودة من الرب يسوع لكل المؤمنين به وبرسالته الخلاصية.
[1] راجع مدخل في انجيل يوحنا، الكتاب المقدس. أنا الإلف والياء، دار المشرق، بيروت – لبنان ١٩٩١، ص ٢٨٠.
[2] راجع، نفس المرجع، ص ٢٨٨.
[3] راجع الحاشية ٢١، من التعليق في هامش الصفحات. المرجع نفسه... ص ٣٥٨.