الصليب طريق الخلاص

Wednesday, 24 December 2025

||

: 59

الصليب طريق الخلاص

الصليب طريق الخلاص

 

الخورأسقف بولص منكنا

 

مقدمة

هذا المقال هو جواب للسؤال: كيف يكون الصليب طريق للخلاص؟ الإجابة ترتكز حصرياً على معطيات الكتاب المقدس، آخذين بنظر الاعتبار كلا العهدين.

يرد الموضوع كثيراً في الأناجيل وكتابات أخرى من العهد الجديد وخصوصاً في رسائل القديس بولس، وفي أسفار عديدة، حتى في آخر سفر من العهد الجديد، أي سفر الرؤية.

 

المُعلّق على خشبة (شجرة)

يُثبت الرسول بولس في رسائله العديدة أنَّ اللعنة التي وُصِفَتْ بها الشخصية التي تـُعَلّق على خشبة، التي وردت في سفر التثنية، وبالتحديد في الفصل ٢١ منه، حيث يذكر أنّ تعليق الإنسان الخاطئ على شجرة، كان بالحقيقة، عقوبة قاسية تفرضها الشريعة ضِد الشخص المتهم بجريمة كبيرة: "إذا كانت على إنسانٍ خطيئة تستوجب الموت، فقُتِل وعَلّقْتَه على شجرة" (تث ٢١: ٢٢). يُواصل السفر إعطاء بعض التوجيهات حول الإنسان المُعلّق على شجرة (خشبة)، باعتباره لعنة من الله: "لأنّ المُعلّق لَعنة من الله" آية ٢٣. كما يُوصي السفر بأنّ الجثة يجب آن لا تبث على الشجرة، بل تُدفن في نفس اليوم (آية ٢٣أ).

يتناول الرسول بولس هذا الموضوع الوارد في سفر التثنية، مُقتبساً إيّاه، وإن بطريقة غير مباشرة، بل فقط مُلمّحاً عنه. يشرح الرسول بإسهاب في الرسالة إلى غلاطية كيف أنَّ تلك العقوبة القاسية، والتي كانت مُعتبرة لعنةً وَرِجساً، كيف تحوَّلَت وأصبَحَت طريقاً به يصل الخلاص إلى جميع البشر، المـؤمنين بالرب يسوع وبرسالته الخلاصية.

 

حُكمُ الشريعة والخلاص بالصليب

موضوع العمل بما تقتضيه الشريعة التي يشرحها مار بولس بإسهاب في كتاباته، وبالأخص رسالته المذكورة، والتي يبدأ منها ليتناول موضوع الخلاص الآتي من البشارة والإيمان بها وليس من الشريعة. في الفصل الثالث من الرسالة إلى غلاطية، وبالتحديد في الآية العاشرة، يُطوّر الرسول فكرته اللاهوتية ذلك أنّ الإيمان بالرب يسوع وبرسالته هي التي توصل الإنسان إلى الخلاص وليس العمل بأحكام الشريعة: "فإنّ أهلَ العمل بأحكام الشريعة هم جميعاً في حُكم اللعنة، فقد وَرَدَ في الكتاب: "مَلعونٌ مَنْ لا يُثابر على العمل بِجميع ما كُتبَ في سفر الشريعة..." (غلا ٣: ١٠). مواصلاً فكرته اللاهوتية حول الموضوع، يذكر آيةً من سفر الثتنية في نفس الرسالة ذاتها، ولكن في سياقٍ آخر، حيث يثبت بأنّ الخلاص أتى به الرب يسوع بمعزلٍ عن الشريعة، حيث إنّها ليست من الإيمان. هنا يأتي الاقتباس من سفر التثنية، إذ يُثبت أنّ المسيح يسوع قد افتدانا من لعنة الشريعة: "إنَّ المسيح افتدانا من لعنة الشريعة، إذ صارَ لعنةً لأجلنا..." (غلا ٣: ١٣أ).

في رسائل أخرى لمار بولس يطرح موضوع الصليب، الذي أصبح طريقاً للخلاص. كما يأتي أيضاً هذا الموضوع في كتابات أخرى من العهد الجديد. لنرى بعضاً منها. تكتب الأناجيل ورسائل أخرى لمار بولس وأيضاً بعض الرسائل الرعوية، عن الصليب، الذي تربطه بالآلام والعذابات التي تنبأ عنها الكتاب المقدس، والتي بها نال الرب يسوع المسيح المجد. حيث يأتي ذكر هذا الموضوع في إنجيل لوقا، حين يشرح يسوع لتلميذي عماوس عن نفسه مفسراً لهما الكتب: "أما كان يجبُ على المسيح أن يُعاني تِلكَ الآلام فيدخل في مجده" (لو ٢٤: ٢٦).

ومار بولس في رسالته إلى فيلبي يَصف المسيح ويؤكد على أنّه يُكابِدَ الآلام وحتى موت الصليب ليرفعه الله إلى المجد: "فوضَع نفسَه وأطاع حتى الموت، موت الصليب. لذلكَ رَفَعَه الله إلى العُلى" (فل ٢: ٨-٩؛ راجع أيضاً عب ٢: ٩).

عن طريق الآلام وعذابات الصليب نال بها الرّبّ يسوع كمال الكهنوت، كما يُؤكد عليها كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "وَلَكِن ذلك الّذي حُطَّ قليلاً دونَ الملائكة، أعني يسوع، نُشاهده مُكللاً بالمجد والكرامة لأنّه عانى الموت" (عب ٢: ٩-١٨).

 

آلام رسول المسيح

على مِثال الرّبّ يسوع، كل رسول وتلميذ ومُؤمن به يَسير على دَرب الصليب والآلام. هذا ما تُؤكده الأناجيل وأيضاً أسفار العهد الجديد الأخرى. نقرأ في سفر أعمال الرسل عن فَم الرسول بولس ورفيقه بَرنابا، اللذان يَحثان المؤمنين على الثبات في المِحَن وقبول الآلام والعذابات لأجل المسيح لكمالهم وخلاصِهِم، وفي النهاية الدّخول في ملكوت الله: "يَجِبُ علينا أن نَجتازَ مَضايقَ كثيرةً لِنَدْخُل مَلكوتَ الله" (رسل ١٤: ٢٢؛ راجع أيضاً ٢ قور ١: ٦ وما يلي الآية). يُؤكد كاتب سفر أعمال الرسل، كيف الرسول على مِثال المُعلّم الإلهي كيف يُعاني الآلام والعذابات ذاتها، هنا تَخصُ الرسول بولس: "فإنّي سأريه ما يجِبُ عليه إن يُعاني من الآلام في سبيل اسمي" (رسل ٩: ١٦؛ راجع أيضاً ٢ قور ١: ٦؛ وقول ١: ٢٤؛ و٢ طيم ١: ١٢).

عندما تتكلم الأناجيل وكُتب العهد الجديد الأخرى عن الصليب والآلام والعذابات، تربطه بعمل الفِداء، التي حقّقه الرّب يسوع في عمله الخلاصي. هذا الموضوع يأتي ذِكره أيضاً في العهد القديم. إذ نقرأ في سفر الخروج، كيف أنَّ الرّبّ أنقذَ أبكار بني إسرائيلَ، وحتى من الحيوانات ولَمْ يَدَع أنْ يَهلِكَ أحداً، بَل افتداهم (خر ١٣: ١٣-١٥؛ ٣٤: ٢٠).

أمّا في كُتب العهد الجديد، فتربُط هذا الفِداء بِعَمَل الخلاص لابنِ الله، الذي فَدى العالمَ بِدَمِه وبذبيحَتِه على الصليب. يَرِدُ هذا الموضوع في نشيد زكريا، حين يُؤكد بأنّ الله افتقد شَعْبَه: "باركَ الرّبُّ إله إسرائيل لأنّه افتقد شَعْبَه وافتداه" (لو ١: ٦٨). لكن حَسَب أسفار العهد الجديد فيما بعد، افتداء العالم بأسرِه حَصَلَ في المسيح يسوع، حيثُ نقرأ في إنجيل متّى: "هَكذا ابنُ الإنسان لَمْ يأتِ لِيُخْدَم، بَلْ لِيَخْدُم وَيَفدي بِنَفسِه جَماعة النّاس" (متّى ٢٠: ٢٨). ومار بولس في رسالته إلى روما يُطَوِّر ويُعَمِّق هذه الفكرة مُؤكِّداً على أنَّ الخلاص أنَّما أتى بالصليبِ: "إنَّ الذي لَمْ يَضُنَّ بابنه نَفسَه، بَلْ أَسلَمَه إلى الموتِ مِنْ أجلِنا جميعاً، كيف لا يَهَبُ لنا مَعَه كُلَّ شَيءٍ" (روم ٨: ٣٢). وفي رسائل أخرى لِمار بولسَ نَفسُه يُعمِّق هذه النقطة ويُؤكِّد على أنَّ الخلاص أتى بيسوع المسيح وبذبيحَتِه على الصليب: "وَبِفَضْلِه أنتم قائمونَ في المسيح يسوع الذي صارَ لَنا حِكْمَةً مِنْ لَدُنِ الله وَبِرّاً وَقَداسةً وفداءً" (١ قور ١: ٣٠" وأيضاً ٢ قور ٢: ١٤ وقول ١: ١٣-١٤).

يَرِدُ ذكر الموضوع في رسائل القديس بطرس مِراراً. حينَ يُؤكِّد بأنَّ الخلاص حَقَّقَه المسيح بِدَمِه: "وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّكُم لَمْ تُفتَدوا بالفاني مِنَ الفِضَّةِ أو الذَّهَبِ مِنْ سِيرَتِكُم الباطِلة التي وَرَثْتموها عَنْ آبائِكُم؛ بَل بِدَمٍ كَريمٍ، دَم الحَمل الذي لا عَيبَ فيه ولا دَنَس" (١ بط ١: ١٨-١٩. راجع أيضاً ٢ بط ٢: ١). والخلاص هذا صَارَ مُتاحاً لِجَميعِ الناس. هذا ما تُؤكِّده باستمرار كُتُب العهد الجديد قاطِبةً، حيث الفداء والخلاص حَصَلا في المسيح بِدَمِه. يُثَبِّتُ متّى الإنجيلي هذا في ٢٠: ٢٨ الذي سَبَقَ ذِكره. وهَكذا أيضاً يوحنا في روايته، الذي يكتُب كثيراً في هذا السياق. بالأخص عندما يتكلم عن الراعي الصالح، نجده يسهبُ في الفصل العاشر: "أنا الرّاعي الصالح والرّاعي الصالح يَبْذُلُ نفسُه في سبيل الخِراف" (يو ١٠: ١١؛ وأيضاً ١٦: ١٧-١٨ و١٧: ١٩).

في آخر أسفار العهد الجديد، أي سفرُ الرؤية يَرِد ذِكرُ الموضوع المطروح، حيثُ يُؤكِّد المؤلف أنَّ الخلاص حَصَلَ بِدَمِ الرّب يسوع الذي غَفَرَ خَطايانا بِدَمِه: "لِذاكَ الَّذي أَحَبَّنا فَحَلَّنا مِنْ خَطايانا بِدَمِه" (رؤ ١: ٥ب).

 

الخاتمة

نختُم بالقول، أنَّ الخلاص والفِداء لَمْ تَكُن مُتاحة لناس إلاَّ بِذَبيحة الصليب، بالدَّم المُهراق عَليه، حَيثُ تِلكَ الذَّبيحة فقط حَرَّرَتْ البَشَرِّية من الخَطيئة وَمِنَ الظُّلم وَمِن حُكمِ الشريعة وَمِنْ فِخاخ الشيطان. يَذْكُر متَّى عَن ذبيحةُ الصليب: "فَهذا هو دَمي، دَمُ العَهد يُراقُ مِنْ أجلِ جَماعة النَّاس لِغُفران الخطايا" (متّى ٢٦: ٢٨. راجع أيضاً يو ١: ٢٩؛ رؤ ١: ٥ الواردة سابقاً).

كما يُؤكِّد مار بولس هذا في رسائله، إذ يقول: "سَلَّمتُ إليكُم قبل كُلِّ شَيءٍ ما تَسَلَّمْته أنا أيضاً، هو أنَّ المسيح ماتَ مِنْ أجلِ خَطايانا كما وَرَدَ في الكُتُب" (١قور ١٥: ٣). ويَذكُرُ أيضاً بأنَّ الرّب يسوع أنقَذَنا مِن سُلطان العالم: "الذي جادَ بِنَفْسِه مِنْ أجلِ خَطايانا لَيُنقِذَنا مِنْ دُنيا الشَّر هَذه عَملاً بمشيئة إلهِنا وأبينا" (غلا ١: ٤). وأيضاً يُعَمِّق فكرة أنَّ المسيح يسوع حَرَّرَنا مِن حُكْمِ الشَّريعة، إذ يَكتُب: "وألغَى شَريعة الوصايا وما فيها مِنْ أحكام لِيَخْلُقَ في شَخْصِه مِنْ هاتَين الجَّماعَتَين، بَعْدَما أَحَلَّ السَّلام بَيننا، إنساناً جَديداً واحِداً" (أف ٢: ١٥).

كما أنَّ المسيح بِذَبيحتِه أنقَذَنا مِنْ سُلطانِ الشَّيطان، كَما وَغَفَرَ خطايانا بِدَمِه: "كُنْتُم أمواتاً أنتُم أيضاً بِزَلاَّتِكُم وقُلفِ أجْسادِكُم فأحياكُم الله مَعَه وَصَفَحَ لَنا عَنْ جَميع زلاَّتِنا، وَمَحَا ما كَانَ عَلينا مِنْ صَكٍّ وما فيه مِنْ أحكامٍ..." (قول ٢: ١٣-١٥؛ راجع أيضاً ١ يو ٣: ٨ و رؤ ١٢: ١٠-١٢).

يَختُم القديس بولس فكرته عن الخلاص والفِداء، الذي أتى بِه المسيح بِدَمِه وذبيحتِه على الصليب لجميع النَّاس. إذ يَنتَهي هذا الخلاص في مَجْد السَّماء، الذي يَربُطُه في المجد الآواخري: "بَل نَحنُ الذين لَنا باكورة الرٌوح، نَئِنُّ في الباطن مُنتظرينَ التَّبني، إي افتداء أجسادنا" (روم ٨: ٢٣؛ راجع أيضاً غلا ٥: ٥ وأف ١: ١٤).