ميلاد النور الإلهي
الخورأسقف بولص منكنا
مقدمة
يتناول هذا المقال بالتحديد موضوع ميلاد الرّب يسوع والنور الإلهي والعلاقة القائمة بينهما. يَرد الموضوع مِراراً في كتب الأنبياء، وبالخصوص في سفر أشعياء. يقتصر البحث لدراسة وتحليل ما كتبه النبي أشعياء، وما إذا كانت هناك أي إشارة من النبي لمجيء الماشِيَّح، أي المسيح.
نبوءة أشعياء والنور الإلهي
يتحدث النبي أشعياء كثيراً عن هذا الموضوع. المصطلح العبري "האור"، أي "النور" يرد ذكره مراراً في هذا السفر. في الحقيقة، ترتكز كل نبوءة أشعياء على هذا النور، الذي أشرق من العلاء على السَّاكنين في الظلمة، وهو النور الإلهي. تأتي لفظة "النور" في هذا الكتاب لأكثر من 30 مرة، وبالخصوص في آيات الفصول التالية: 2: 5؛ 5: 7. 20. 30؛ 8: 20؛ 9: 2؛ 10: 17. 32؛ 13: 10؛ 18: 8؛ 26: 19؛ 28: 19؛ 30: 16. 26؛ 32: 12؛ 42: 6. 16؛ 45: 7؛ 49: 6؛ 50: 10. 11؛ 51: 3. 4؛ 52: 12؛ 55: 2؛ 58: 8. 10. 14؛ 59: 9؛ 60: 3. 19. 20 و66: 3. 11. ماذا تعني اللفظة في السفر؟
علاقة النور الإلهي بمجيء المخلص
التكرار المُتعدد لاستعمال هذه اللفظة من قبل مؤلف هذا السفر، إن دلَّ على شيءٍ، فإنما يدل على أنَّ كلمة "النور"، بالنسبة له هي في غاية الأهمية. فالموضوع يحتل الصَّدارة من حيث المكانة المُعطاة للمصطلح، الذي كما ورد آنفاً يرد كثيراً.
ما يهمُّنا هنا هو: ما إذا كانت لفظة "النور" مرتبطة وذات صِلة بمجيء المُخلِّص يسوع، الذي تنتظره البشرية جمعاء، يأتي ليُخلِّصها من الخطيئة والموت. بهذا الخصوص، لنلقِ نظرة إلى المراجع التي سبق ذكرها آنفاً، ولنرى أية منها تشير إشارة واضحة إلى المَسيِّا، المسيح المنتظر، أي المخلص يسوع.
عدد كبير من المراجع السابقة تشير بوضوح إلى المسيح: نذكر منها: 5: 7؛ 10: 17؛ 45: 6؛ 51: 3. 4؛ 58: 8؛ 60: 1. 3. 19. 20.
في الحقيقة، من ضِمن القراءآت الطقسية في ليلة عيد الميلاد في الطقس الكلداني، ترد قراءة من سفر أشعياء: 9: 1-7، والتي هي القراءة الثانية التي تُقرأ في هذه المناسبة الكبيرة.
قراءة مسيحانية للنبوءة
منذ فجر المسيحية، وَجَدَ آباء الكنيسة الأوائل في نبوءة أشعياء، إشارة جلية لمجيء الرّبّ يسوع، المُخلّص. لذلك في أشعياء 9: 2، التي تنبىء بالنور المشرق في الظلمة، ما هو إلا إشارة مباشرة إلى المسيح. ولهذا السبب، وضعَ آباء الكنيسة هذه القراءة ضمن القراءات الرئيسة للمناسبة الطقسية وللاحتفال الليتورجي بعيد الميلاد. ذلك على الأقل، في ليتورجية الطقس الكلداني العريق.[i]
الإحتفال بعيد الميلاد
جوهر ما نحتفل به في عيد الميلاد، هو قبل كل شيءٍ، ذلك النور الإلهي، الذي أشرق من العلاء، وهو النور المشرق على الشعب السالك في الظلمة (راجع أش 9: 2). وهو النور الآتي في ليلة الميلاد. النور الآتي إلى العالم، أي "نور العالم"، الذي ينور كل مَنْ يسلك في الظلمة، ظلمة الخطيئة وظلمة الشَّر واليأس. وهو النور الحقيقي، نور الأمل والرجاء، الذي ينور كل إنسانٍ.
يُؤكد الإنجيلي يوحنا عنْ فَمِ المُخلّص: "وَكلّمهُم أيضاً يسوع قال: "أنا نورُ العالَم، مَنْ يتبعني لا يَمشِ في الظلام، بل يكون له نور الحياة" (يو 8: 12).
فَلَمْ يكُن مِنَ الصدفةِ أنَّ النبي أشعياء في كتابه شَدَّدَ كثيراً على لفظة "النور"، التي كما رأينا وَرَدَتْ لأكثر من 30 مرة في سفره. وكما ذُكرَ أيضاً، بأنَّ مراجع كثيرةً كانت تشير بدلالة واضحة، وضوح الشمسِ إلى المخلص يسوع. وبالأخص، اللفظة الواردة في بداية الفصل التاسع من السفر نفسه (راجع 9: 1). تلك الإشارة، كما وردَ أيضاً تشكلت القراءة الثانية من ضمن القراءات الكتابية لليتورجية الميلاد في الطقس الكلداني، والتي اختيرت بتمعُّن من قبل آباء الكنيسة الأوائل.
الخاتمة
أرغَب أنْ أختمَ هذا المقال، بترجمة لأول ترتيلة طقسية كلدانية، من ضِمن صلوات ليلة عيد الميلاد، والتي تتأمل بتمعُّن مباشرة بنص أشعياء 9: 1: "نُسبِّحُ كُلُّنا للمولود العجيب، الذي وُلِدَ لنا، هو النور الحقيقي الذي أشرَقَ للذين كانوا يسلكونَ في الظُّلمة. ولأجل هذا، مع جموع العلويين، نَهتف ونَقول: "المَجدُ لله في الأعالي، والسّلامُ والأمنُ على الأرضِ، ورجاء صالحٌ لِبني البَشر، في نهاية الأزمنة الأخيرة، كُشِفَ في جَسَدٍ مِنْ جِنْسِنا، وعَلَّمَنا أنَّ له وحده يجب أنْ نَعتَرِف، صانِع كُلّ شيءٍ".[ii]
[i] يرد شرح مُبسّط لهذا المرجع، وذلك في هاش الصفحات، ويربطه بمجيء المخلص يسوع: "في هذه الآية مقارنة، فيما يختص بنواحي شمال فلسطين، بين مستقبل مجيد وماضٍ ذَليل. وهي تشير، على ما يبدو، إلى حَمَلات تَجْلات فَلاسَّر في الجليل وإلى جلاء السنة 732 (راجع 2 مل 15: 29). في القول التابع؛ يُبشّر أشعياء ب "يوم الرّبّ" يأتي بالنجاة للمجلويين، ويبشر في الوقت نفسه بمُلكٍ هادىءٍ يُحققه وَلَدٌ من سلالة مَلَكية، وهو عمانوئيل الوارد ذِكره في 7: 14. ستتحقق هذه النبوة بظهور المسيح في الجليل (راجع متى 4: 13-16). راجع، الكتاب المقدس، أنا الألف والياء، دار المشرق (بيروت، 1991) 1543، هامش 7.
[ii] راجع كتاب الحوذرا، طقس العيد المقدّس لميلاد رَبِّنا، (روما، 2002) 321.